ابن العربي
996
أحكام القرآن
المسألة السابعة - قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : من قرائن الأحوال ما يفيد العلم الضرورىّ ، ومنها ما يحتمل الترديد « 1 » ؛ فالأول كمن يمرّ على دار قد علا فيها النعىّ ، وخمشت فيها الخدود ، وحلقت الشعور ، وسلقت « 2 » الأصوات ، وخرقت الجيوب ، ونادوا على صاحب الدار بالثّبور « 3 » ، فيعلم أنه قد مات . وأما الثاني فكدموع الأيتام على أبواب الحكام ، قال اللّه تعالى - مخبرا عن إخوة يوسف « 4 » : وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ، وهم الكاذبون ، وجاءوا على قميصه بدم كذب ، ومع هذا فإنها قرائن يستدلّ بها في الغالب ، وتنبنى عليها الشهادة في الموت وغيره بناء على ظواهر الأحوال وغالبها . الآية الثالثة والثلاثون - قوله تعالى « 5 » : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ، قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ، قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ ، وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فيها ست مسائل : المسألة الأولى - هذه الآية نزلت بعد ذكر المنافقين هاهنا ، ونزلت بعد ذكر المؤمنين بعد هذا بآيات ، فأما هذه التي أعقبت ذكر المنافقين فمعناها التهديد ، وأما الآية « 6 » التي نزلت بعد هذا فمعناها الأمر ، وتقديرها : اعملوا بما يرضى اللّه ، وذلك أنّ النفاق موضع ترهيب ، والإيمان محلّ ترغيب ، فقوبل أهل كلّ محل من الخطاب بما يليق به ، كما قيل للكفار : اعملوا ما شئتم ، على معنى التهديد . المسألة الثانية - قوله تعالى : وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ الباري راء مرئى ، يرى الخلق ، ويرونه ، فأما رؤيتهم له ففي محلّ مخصوص ، ومن قوم مخصوصين ، وأما رؤيته للخلق فدائمة ، فهو تعالى يعلم ويرى . وقال جماعة من المبتدعة : إنه يعلم ولا يرى ، ومتى أخبر عنه بالرؤية فإنها راجعة إلى العلم ، وقد دللنا في كتب الأصول على أنه راء برؤية ، كما أنه عالم بعلم ؛ لأنه أخبر عن نفسه بذلك ،
--> ( 1 ) في ا : التزوير . ( 2 ) السلق : شدة الصوت . ( 3 ) الثبور : الهلاك . ( 4 ) آية 16 . ( 5 ) آية 94 . ( 6 ) آية 105